الشيخ محمد النهاوندي
142
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وتخفض كلمة أو ترفعها ، أو المراد أنّ تلك الواقعة تخفض بعض الأشياء ، وترفع بعضا ، تحطّ الأشقياء ، وترفع السّعداء ، وتزيل الأجرام عن مقارّها بنثر الكواكب وإسقاط السماء كسفا ، وتسيير الجبال في الجو كالسّحاب ، وصيرورتها بعد الرفع عن الأرض [ كثيبا ] مهيلا منبسطا ، وصيرورة الأرض كثيبا مرتفعا ، وإنّما قدّم الخفض للتشديد والتهويل . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 4 إلى 11 ] إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ( 4 ) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ( 6 ) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 ) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ( 9 ) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) ثمّ بيّن سبحانه وقت كون القيامة خافضة رافعة بقوله : إِذا رُجَّتِ وزلزلت الْأَرْضُ رَجًّا وزلزالا عظيما ، وحرّكت تحريكا شديدا بحيث لا يبقى فوقها بناء وَبُسَّتِ وفتّتت الْجِبالُ أو سيقت وسيّرت من أماكنها بَسًّا وتفتينا عيجبا ، أو سوقا وسيرا سريعا فَكانَتْ وصارت جميع الجبال بسبب ذلك التفتت أو السوق هَباءً أو غبارا مرتفعا ، أو كالذرّات التي ترى في شعاع الشمس ، أو ما يتطاير من شرر النار ، أو ما ذرّت الريح من الأوراق مُنْبَثًّا ومتفرّقا ومنتشرا في الجوّ . قيل : إنّ اللّه تعالى يبعث ريحا ، فتحمل الأرض والجبال ، وتضرب بعضها ببعض ، ولا تزال كذلك حتى تصير غبارا « 1 » . وَكُنْتُمْ أيّها الناس ، من الأولين والآخرين في ذلك اليوم أَزْواجاً وأصنافا ثَلاثَةً حسب اختلاف عقائدهم وأعمالهم في الدنيا ، أما الصنف الأول فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ والبركة والسعادة ، أو أهل المنزلة الرفيعة ، أو ذوي الصحائف التي يعطونها بأيمانهم ، أو الجماعة الذين « 2 » يقومون عن يمين العرش ، أو كانوا على يمين آدم في عالم الذّر ويوم الميثاق ، وما تدرون أيّها العقلاء ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وأيّ شيء هم في الفخامة وعلوّ الرّتبة ؟ فتتعجبون من حسن حالهم ، لكونهم مؤمنين صالحين ، وإن كان لهم تبعات يقومون بها للحساب وَ الصنف الثاني وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ والشرّ والشقاوة ، وأهل الذّلة والشراسة والنّكبة والدّناءة و ما تدرون ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وأيّ شيء هم في سوء الحظّ وحطّ المنزلة ؟ فتتعجبون من سوء حالهم لكونهم كفّارا طغاة مستحقيّن للعذاب وَ الثالث السَّابِقُونَ والمبادرون إلى الايمان والطاعة ، والمسارعون إلى الخيرات ، وهم السَّابِقُونَ والمبادرون إلى الجنة بغير حساب ، والمسارعون إلى الدرجات العاليات .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 317 . ( 2 ) . في النسخة : التي .